أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

115

العقد الفريد

وقال مرة أخرى : أبا الطفيل ! قال : نعم . قال : أنت من قتلة عثمان ؟ قال : لا ، ولكني ممن حضره ولم ينصره . قال : وما منعك من نصره ؟ قال : لم ينصره المهاجرون والأنصار ، فلم أنصره . قال : لقد كان حقّه واجبا وكان عليهم أن ينصروه . قال : فما منعك من نصرته يا أمير المؤمنين وأنت ابن عمه ؟ قال : أو ما طلبي بدمه نصرة له ؟ فضحك أبو الطفيل وقال : مثلك ومثل عثمان كما قال الشاعر : لأعرفنّك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زوّدتني زادا معاوية وابن الخطل : العتبي قال : صعد معاوية المنبر فوجد من نفسه رقة ، فقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : أيها الناس ، إن عمر ولأني أمرا من أمره ، فو اللّه ما غششته ولا خنته ثم ولاني الأمر من بعده ولم يجعل بيني وبينه أحدا ؛ فأحسنت واللّه وأسأت ، وأصبت وأخطأت ؛ فمن كان يجهلني فإني أعرّفه بنفسي . فقام إليه سلمة بن الخطل العرجيّ ؛ فقال : أنصفت يا معاوية وما كنت منصفا . قال فغضب معاوية وقال : ما أنت وذاك يا أحدب ؟ واللّه لكأني أنظر إلى بيتك بمهيعة ، « 1 » وبطنب « 2 » تيس ، وبطنب بهمة ، بفنائه أعنز عشر ، يحتلبن في مثل قوارة حافر العير ، « 3 » تهفو الريح منه بجانب ، كأنه جناح نسر . قال : رأيت واللّه ذاك في شر زماننا إلينا ، وو اللّه إن حشوه يومئذ لحسب غير دنس ؛ فهل رأيتني يا معاوية أكلت مالا حراما أو قتلت امرأ مسلما ؟ قال : وأين كنت أراك وأنت لا تدبّ إلا في خمر ؟ وأي مسلم يعجز عنك فتقتله ؟ أم أي مال تقوى عليه فتأكله ؟ اجلس لا جلست . قال : بل أذهب حتى لا تراني . قال إلى أبعد الأرض لا إلى أقربها فمضى ، ثم قال معاوية : ردّوه عليّ ، فقال الناس : يعاقبه ! فقال له : أستغفر اللّه منك يا أحدب ، واللّه لقد بررت في قرابتك ، وأسلمت فحسن إسلامك ، وإن أباك لسيّد قومه ؛ ولا أبرح أقول بما تحب فاقعد .

--> ( 1 ) المهيعة : الجحفة بين الحرين . ( 2 ) الطنب : عرق الشجر وعصب الجسد . ( 3 ) قوارة حافر العير : يريد ما يقور من باطن حافره .